أما اكتفاء المشاهد بقوله: آه لو رأيتم لحظة قبض الشرطي على هذا المجرم . . فهذا القول يعمم ما يُرى حتى يتصور كل سامع من صور الإذلال ما يناسب قدرة خياله على التصور . وهكذا أراد القرآن أن يصور هول الوقوف على النار فأطلق الحق"لو"بلا جواب حين قال: {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين} [الأنعام: 27] .
وقد أراد البعض أن يتصيد لأساليب القرآن ، ومنهم من قال: كيف تقولون إن القرآن عالي البيان ، فصيح الأسلوب ، معجزة الأداء ، وهو يقول ما يقول عن شجرة الزقوم؟
إن القرآن الكريم يقول عن هذه الشجرة: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين} [الصافات: 62 - 65] .
إن كل شجرة تحتاج إلى ماء وهواء ، وفيها حياة تظهر باخضرار الأوراق ، فكيف تخرج هذه الشجرة من النار ، أليس في ذلك شذوذ؟ ثم تتمادى الصورة . . صورة الشجرة ، فيصف الحق ثمارها بقوله الحق: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون} [الصافات: 65 - 66] .
نحن لم نر شجرة الزقوم ، ولم نر رأس الشيطان . ويَسْخَرُ الذين يتصيدون للقرآن في أقوالهم: بما أن أحداً من البشر لم يشهد رأس الشيطان ، وكذلك شجرة الزقوم ، فكيف يشبه الله المجهول بمجهول ، وتساءلوا بطنطنة: ماذا يستفيد السامع من تشبيه مجهول بمجهول؟ ونقول رداً عليهم: إن غباء قلوبكم وفقدان طبعكم لملكة اللغة العربية هو الذي يجعلكم لا تفهمون ما في هذا القول من بلاغة .