وأصل تصور الجمل فِي هذا المعنى أن تكون منفصلة قائمة برؤوسها ، وقد
ترى هاهنا كيف تصورت شديدة الحاجة إلى المبتدإ قبلها ، فإذا جاز هذا الخلطُ له
وَوِكَادَةُ الصلة بينه وبين ما قبله فما ظنك بخبر المبتدإ إذا كان مفردا ، لا يشك أنه
به أشد اتصالا ، وإليه أقوى تساندا وانحيازا ، فاضمم ذلك إلى ما قبله.
ونحو منه حكاية الفراء عن بعضهم - وجرى ذكر رجل ، فقيل: هاهو ذا ،
فقال مجيباً: نِعْمَ الهَا هُوَ ذَا هُوَ ، فإلحاقه لام المعرفة بالجملة المركبة من المبتدإ
والخبر من أقوى دليل على تنزلها عندهم منزلة الجزء الواحد.
نعم ، وفي صدر هذه الجملة حرف التنبيه ، وهو يكاد يفصلها عن لام التعريف
بعض الانفصال ، وهما مع ذلك كالمتلاقيين المتعاقبين مع حجزه بينهما ،
واعتراضه على كل واحد منهما . انتهى كلام ابن جني.
قوله: (الرب فِي الأصل بمعنى التربية) إلى آخره.
لم يصرح بما هو المراد به هنا ، إلا أن كلامه فِي حكاية القول الأول يشعر
باختيار أن المراد به هنا المربي ، وفي حكاية الثاني يشعر بأن المراد به المالك ،
وهو لغة يطلق عليهما ، وعلى الخالق ، والسيد ، والثابت ، والمعبود ، والمصلح ،
وكل ذلك تحتمله الآية.
قال الماوردي وغيره: فإن فسر بمعنى المالك ، أو السيد ، أو الثابت فمن
صفات الذات أو بالباقي فمن صفات الفعل.
وقال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل فِي تفسيره: إن فسر بالمعبود على معنى
مستحق العبادة فصفة ذات ، أو على معنى الذي يعبده الخلق فصفة فعل.
وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: الأولى أن يحمل هنا على المصلح
لعمومه.
وساق الطيبي كلام القاضي فاهما منه أنه فسره بالمربي ، ثم قال: وهذا
التفسير أولى ، لأنه أعم وأنسب للحمد ، فإن من شأن المالك إصلاح ما تحت
سياسته ، وإتمام أمر معاشه.
ثم ذكر قول الجوهري: رب كل شيء مالكه ، وربيت القوم: سستهم ، ورب