فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو - كلاهما -: بالياء وضمِّ الباء، مِنْ {يَحْسِبُنَّهم} .
ووجه هذه القراءة: أنهما لم يُعَدِّيا (حَسِبْتُ) إلى مفعوليه اللذين يقتضيهما؛ لأنهما جعلا قولَهُ - تعالى -: {فَلا يَحْسِبُنَّهُم} بدلًا مِنَ
الأوَّلِ. ولَمَّا جعلاه بَدَلًا، وعُدِّي إلى مفعوليه، استُغنِيَ عن تَعْدِيَة الأولى إليهما، كما استغنى في قوله:
بِأيِّ كتابٍ أم بِأيِّة سُنَّةٍ ... تَرىَ حُبَّهُمْ عارًا عليَّ وتَحْسَبُ
بتعدية أحد الفعلين إلى مفعوليه، عن تعدية الآخر إليهما.
فإن قيل: لا يستقيم تقدير البَدَلِ في قوله: {لا يَحْسِبَن الذيِن يَفْرَحُون بِمَا أتَوْا فَلا يَحْسِبُنَّهم بِمَفَازَةٍ} ، وقد دخلت الفاءُ بينهما، ولا يدخل بين البدل والمُبْدَلِ منه، الفاءُ.
قيل: إن الفاء زائدة؛ يَدُلُّك على ذلك: أنها لا يجوز أن تكون عاطفة؛ لأن المعنى: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون بما أتوا، أَنْفُسَهم بمفازةٍ مِنَ العَذَابِ.
وإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ. ولا يجوز - أيضًا - أن تكون للجزاء، كالتي في قوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ، ونحوها؛ لأن هذا ليس من مواضع الجزاء. وإذا لم يجز أن تكون للعطف [و] لا لِلْجَزَاء، ثَبَتَ أنها زائدة؛ كقوله:
وإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي
وكما أنشد قُطْرُب:
وحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ... يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ
وذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.
وقوله تعالى: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} قد تَعَدّى فيه فعلُ الفاعل إلى ضميرِهِ. وفِعْلُ الفاعل في هذا الباب، يَتَعدَّى إلى ضمير نفسه؛ نحوَ (ظَنَنْتُنىِ أخاه) ، و (حَسِبْتُني ذاهبًا) .