يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها. ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا) . لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي) ، و (أَحْسِبُنِي) .
وحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في {يَحْسِبُنَّهم} ؛ لِدُخول النون الثقيلة، واجتماع الساكنين. و - كذلك - يُحذف عند دخول النونِ الخفيفة؛ كما تقول: (لا يَحْسِبُنْ زيدًا ذاهبًا) .
وقوله تعالى: {بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} .
في موضع المفعول الثاني. وقرأ حمزة، وعاصم والكسائي - كلاهما -: بالتَّاء، وفتحوا الباءَ من {تَحْسَبَنَّهُمْ} .
ووجه هذه القراءة: أنه حذف المفعولَ الثاني الذي يقتضيه {تَحْسَبَنَّ} الأول؛ لأن ما يجيء بَعدُ من قوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} , يدل عليه.
ويجوز أن تجعل {تَحْسَبَنَّهُمْ} بدلًا من {تَحْسَبَنَّ} ، كما جاز أن تجعل (يَحسِبُنَّهم) بدلًا من (يَحْسِبَنَّ) في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، لاتِّفاق الفعلين.
قال أبو إسحاق: ووقعت (فَلا تَحسَبَنَّهم) مُكَرَّرةً؛ لِطُول القصَّة.
والعربُ تُعيد إذا طالت القصّة (حَسبت) وما أشبهها؛ إعلامًا أن الذي جرى متصل بالأوَّل، وتوكيد له، فتقول: (لا تظنَنَّ زيدًا إذا جاءك وَكلَّمَكَ في كذا وكذا، فَلاَ تظُننَّه صادقًا) ، فتكرره إيضاحًا للقصة.
وهذا - الذي ذكره أبو إسحاق - سائغٌ في القراءتين: قراءةِ أبي عمرو، وقراءةِ حمزة.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: الأوَّل بالياء، والثاني بالتاء وفتح الباء.
ووجه هذه القراءة: أن المفعولَيْن اللَّذَيْن يقتضيهما الحِسْبانُ في قوله: {لَا يَحْسَبَنَّ الذين يفرحون} محذوفان؛ لِدَلالَةِ ما ذكِرَ من بَعْدُ عليهما. فَلمَّا كان قوله: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} متَّصلًا بمفعولَيْن ظاهِرَيْنِ، جُعِلا مفعولَي قولِهِ: {لا يَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُون} , بتقدير: لا يَحْسَبَنَّ الذين يفرحون أنْفُسَهُمْ، بمفازةٍ من العذاب، ولا تَحْسَبَنَّهم أنت - أيضًا - كذلك.