وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ} يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب} وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 52}
فصل
قال الفخر:
اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله، فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز، قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] وقال للمؤمنين فِي إقامة حد الزنا: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله} [النور: 2] .
وههنا دقيقة أخرى: وهي أنه تعالى منعه من الغلظة فِي هذه الآية، وأمره بالغلظة فِي قوله: {واغلظ عَلَيْهِمْ} فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} [المائدة: 54] وقوله: {أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] وتحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، والفضيلة فِي الوسط، فورود الأمر بالتغليظ تارة، وأخرى بالنهي عنه، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الإفراط والتفريط، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال: {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] . انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 53}