وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «إن القول إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا، أوشك أن يعمهم الله بقضائه» .
فثبت بالكتاب والسنة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم إن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما بين المؤمنين والمنافقين، لأنه جل ثناؤه قال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} .
فثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمن وأقواها دلالة على صحة عقدهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسهما الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه.
وإنما أفرد هذا الباب عن أبواب الجهاد، لأن الجهاد فرض حدود معلومة وأحكام مخصوصة، وقد جاءت فيه بانفراده آيات وأخبار معروفة.
وأما ما عداه فليس بموجب، وإنما هو على ما يكفي ويقتضيه الحال، ويؤدي إليه الاجتهاد، فذلك الذي دعى إلى إفراد بهذا الباب.
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس يليق بكل أحد ولا يجب أيضاً على كل أحد، وإنما هو من المفروض التي ينبغي أن يقوم سلطان المسلمين (بها) ، إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزيز موكل إلى رأيه، والحبس والإطلاق له دون غيره، والنفي والتعذيب مطلقاً إن رآه في سياسته، فينصب في كل بلد، وفي كل قرية رجلاً صالحاً قوياً عالماً أميناً، ويأمره بمراعاة الأحوال التي تجري.
فلا يرى ولا يسمع منكراً إلا غيره، ولا يبقى معروفاً محتاجاً إلى الأمر به إلا أمر به.
وكل ما أوجب على فاسق حداً أقامه ولم يعطله، فإنه لا شيء أردع للمعطلين من إقامة حدود الله عليهم.
وكما لا ينبغي تعطيل حد بعدما وجب، فكذلك لا ينبغي أن يجلد أحد أو يقطع أو يقتل من غير وجوب، فإن السرف في ذلك تنقلب حياته ولا يحصل فيها غرض الحد.
وليس يمكن أن يكون أحد أعلم بعباد الله وطريق سياستهم منه، فلو علم أن الحدود التي شرعها لا تكفي لزاد فيها حتى تكفي.
هذا وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «لعن الله من يبلغ حداً في غير حد، ومن بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين» .
وكل من كان من علماء المسلمين الذين يجمعون من فضل العلم وصلاح العمل فعليه أن يدعو إلى المعروف، ويؤخر عن المنكر بمقدار طاعته.
فإن كان يطبق إبطال المنكر ودفعه، وردع المتعاطي له عند فعله.
فإن كان يطيق بنفسه، ويطيقه بمن يستعينه عليه فعله، إلا ما كان طريقه الحد والعقوبة.