فاستغنى به عن الضمير، كقولك: الذي أتاني لا أضرب عمرا.
إذا كان عمرو هو الذي أتاه، وهذا أجازه الأخفش، وعليه
حمل قوله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
أي لا يضيع أجرهم، وجاز ذلك لما كان من يتقي ويصبر هم المحسنون. والوجه الثاني: أن تكون ما للجزاء وتكون مفعولا من (آتَيْتُكُمْ) ، و (جَاءَكُمْ) فِي موضع الجزم معطوف عليه، واللام الداخلة على (ما) هي الموطئة للقسم،
والتي فِي (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) للقسم كاللامين فِي قوله تعالى:
(وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي) ، وعلى هذا حمل سيبويه
الآية، وقال: وسألته - يعني الخليل - عن قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ)
فقال ما هاهنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على
إنْ حين قلت: لئن فعلت لأفعلن. وعنى بقوله: إن ما بمنزلة
الذي، أنه اسم لا حرف، كما هو حرف فِي قوله: (لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، ولم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما لم يجعله
كالذي لعدم الضمير الراجع إليه فِي قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ)
فإن قيل: فمن جعل ما موصولاً فِي قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) وجب أن يكون ابتداء، فما خبره؟
قيل: خبره (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) ، والضمير فِي (بِهِ) هو راجع
إلى ما، وفي قو له. (وَلَتَنْصُرُنَّهُ) إلى الر سول، ولا يجوز أن يرجع
في قوله (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) إلى الرسول أيضاً، لأنه يبقى المبتدأ بلا
عائد إليه، فأما من جعل (ما) جرًّا فلا يحتاج إلا ضمير، لأنه حينئذٍ
مفعول، والمفعول لا يحتاج إلى ضمير يرجع إليه، وأما من قرأ
"لمِا أتيتكم"بالكسر فمعناه: أخذ الله الميثاق منهم لأجل الذي
آتيتكم، وما لا تكون هاهنا إلا موصولة، والكلام فِي رجوع
الضمير إليه قد تقدم وقُرى"لمّا آتيتكم"أي أخذ الله ميثاق