ثُمَّ قَالَ: التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ الْبَشَرُ ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ مِنْ قَبِيلِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُسْتَطَاعُ ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فِي الْآيَاتِ ، وَقِسْمٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهَا .
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ الْخِلَافُ فِي الْفَهْمِ وَالرَّأْيِ ، وَلَا مَفَرَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِمَّا فُطِرَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [11: 118 ، 119] فَاسْتِوَاءُ النَّاسِ
فِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ وَلَا مَطْمَعَ فِيهِ ، إِذْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ ، فَالْإِخْوَةُ الْأَشِقَّاءُ فِي الْبَيْتِ الْوَاحِدِ تَخْتَلِفُ أَفْهَامُهُمْ فِي الشَّيْءِ كَمَا يَخْتَلِفُ حُبُّهُمْ لَهُ وَمَيْلُهُمْ إِلَيْهِ .
وَأَمَّا الثَّانِي: - وَهُوَ مَا جَاءَتِ الْأَدْيَانُ لِمَحْوِهِ - فَهُوَ تَحْكِيمُ الْأَهْوَاءِ فِي الدِّينِ وَالْأَحْكَامِ ، وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ ضَرَرًا فِي الْبَشَرِ ; لِأَنَّهُ يَطْمِسُ أَعْلَامَ الْهِدَايَةِ الَّتِي يَلْجَأُ إِلَيْهَا فِي إِزَالَةِ الْمَضَارِّ الَّتِي فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْخِلَافِ .