وحالهم التي أوجبت هذا النفي مكونة من عناصر أربعة: إيمان في الابتداء، وشهادة بأن الرسول حق، وكون البينات قد جاءتهم موضحة لهذا الحق، ثم بعد ذلك يكفرون، فلو كان حالهم حال ضلال عن غير علم لأنار الله أبصارهم، ولو كانوا مخلصين جهلوا الحقيقة وطلبوها لكانت هداية الله لهم ثابتة، ولكنهم غير ذلك، فهم قد كانوا مؤمنين، ويشهدون بالحق، وذلك عن بينة وعن أدلة يقينية ملزمة، ومع ذلك استولى عليهم التعصب بالباطل، فكان العمى الذي أرادوه، فلا هداية إلى الحق من بعد، وذلك لأن الله تعالى يهدي إلى الحق مَنْ أخلصَ وطلبه، فإن الإخلاص يقذف في القلب بالنور فيكون الإشراق الروحي، وتكون الهداية الربانية، أما من قصد إلى الباطل، ولم يخلص وعكرت بصيرته بالهوى، فإنه يكون محروما من هداية الله، حتى يغير من حاله بأن يتوب عن غيه، ويخلص وينيب.
والآية عامة لَا ريب في ذلك، فهي تبين من يحرِمه الله من هدايته، وهو الذي لَا يذعن للحق إلا إذا كان متفقا مع غرضه، وهو من الذين قال الله تعالى فيهم (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ(48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) .
ولكن المفسرين يذكرون لهذه الآية سببا للنزول، فيروي النسائي عن ابن عباس أنه قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد ثم ندم، فأرسل إلى قومه يطلب إليهم أن يسألوا الرسول - صلى الله عليه وسلم: هل من توبة؟ فنزلت الآية. وروي عن
مجاهد أنه جاء الحارث بن سويد فأسلم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم كفر فرجع إلى قومه نادما، فأنزل الله: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) فحملها إليه رجل من قومه، فقال الحارث: (إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة) ثم رجع وأسلم، وروي عن الحسن البصري أنه قال: إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصاوى الذين رأوا نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم وشهدوا أنه حق، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك وأنكروه وكفروا بعد إقرارهم.