وفي نحو: (اثّاقلتُم) يقول القرطبي: (أصله: تثاقلتم) أُدغمت الثاء فِي التاء لقربها منها , واحتاجت إلى ألف الوصل لتصل إلى النطق بالساكن , ومثله: (اداركوا , وادّارأتم , واطّيرنا , وازّينت) (54) .
وعند العكبري فِي التبيان يقول: (قوله"فادّرأتم"أصل الكلمة تدارأتم , ووزنه:"تفاعلتم", ثم أرادوا التخفيف , فقلبوا التاء دالاً ؛ لتصير من جنس الدال , التي هي فاء الكلمة ؛ لتمكن الإدغام , ثم سكّنوا الدال ؛ إذ شرط الإدغام أن يكون الأول ساكناً , فلم يمكن الابتدء بالساكن , فاجتلبت له همزة الوصل , فوزنه الآن"افاّعلتم"بتشديد الفاء , مقلوب من"تفاعلتم", والفاء الأولى زائدة , ولكنها صارت من جنس الأصل ؛ فيُنطق بها مشددة ,لا لأنهما أصلان , بل لأن الزائد من جنس الأصل) (55) .
ومع كل هذا يبقى السؤال:
ما وجه اصطفاء"تداينتم"دون"اداينتم"؟
إن صيغة"اداينتم"تشعر بأنهم الغُرماء , وأن المؤمنين جميعاً مدينون لغيرهم , وهذا غير مقصود ؛ لأن الدائن , والمدين فِي الآية من المؤمنين , وهذا مفهوم من الفعل"تداينتم"؛ ولذلك قال ابن جريج:"من ادَّان فليكتب , ومن باع فليُشهد ,) (56) "
فاختيار صيغة"افتعل"لأن المقصود: مَنْ أخذ ديناً , أو اشترى بدين , فعليه الكتابة .
أما لو قيل: (من تداين) لفُهِم منه: من تعامل بدين , سواء أكان دائناً أم مديناً , وعليه فالصيغة الواردة فِي الآية توحِي بأن الأصل فِي المجتمع المسلم أن تكون حركة بيعه وشرائه وتعاملاته بينه وبين بعضه , وأنّ تعامله مع الآخرين يخرج عن الأصل إلى الضرورة .
كما أن وضع الفعل"تداينتم"فِي إطار الشرط يفيد هذا النوع من التعامل , فالديون والتعامل بها لابد أن يكون فِي إطار الضرورات , وليس العكس , مما يترتب عليه التضييق على هذا النوع من التعامل .