وهذا التقسيم يضع السورة _ على طولها _ فِي إطارين اثنين مع وجود مقدمة وخاتمة , وهذا أقرب إلى واقع السورة , وأكثر تحديداً لأركانها , وأضبط لمعاقدها .
وتحديد هذه الفصول والمعاقد يبتغي من ورائه الوقوف على وجه البلاغة فِي موقع الآية من السورة. .
ثالثا: وجه البلاغة فِي موقع الآية
لقد تبين أن آية الدين تقع فِي ختام القسم التشريعي , بعدما تكون النفوس قد هُذّبت , وترسخ فيها أصول التوحيد , وتمرست على أنواع العبادات _ من صلاة وصيام وحج وجهاد _ وكأن الدَّين أعلى قدراً من حيث حاجته إلى نفوس عالية , وهمم سامقة , وقلوب صافية ؛ حتى تمتثل لما فيه من ضوابط وقوانين .
وفرق بين أن تلقي خطاباً لنفس خالية من البواعث والمحرضات ، وبين أن تلقي الخطاب نفسه إلى نفوس تشبعت بالإيمان , واستحضرت الآخرة واستعدت لها بأنواع العبادات _ لا شك أن هذا الأمر سيكون محل استجابة وموضع قبول .... ومن أجل ذلك وضعت آية الدين بعد كل هذه الرحلة الطويلة من حديث عن العقيدة وموقف الناس منها , ومن حديث عن التشريع وأعمدته الرئيسة ؛ فالنفوس صارت مهيئةً ,والإيمان فِي أعلى درجاته , وهذا يصور أهمية استثارة النفوس لتلقي الأوامر والنواهي عامةً ؛ ومنها المتعلقة بالأموال .
ثم يأتي الختام الزاخر بما أعده للممتثلين الطائعين الطامعين فِي عطاء الله تعالى وعفوه .
وكأن ما تقدم من توطئة لا يكفي , فلابد من إحاطة هذه الأوامر والنواهي من جانبيها بسياج منيع ؛ حتى لا يترك للنفوس مخرج , أو محيص عنها ؛ فيذكر بعد آية الدَّين آيات الختام , وهي آيات باعثة ومحرضة أيضاً على الامتثال والطاعة , لما تحمله من جزاء الطائعين وثواب الممتثلين , بالإضافة إلى ترهيب المعرضين , والتنويه بما ينتظرهم من عذاب أليم .
رابعاً: المقصود الأعظم لسورة البقرة وعلاقة آية المداينة به