والإملال معناه الإملاء. فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن باللغتين قال - تعالى -: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
أي: وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقرارا به وبالحقوق التي عليه الوفاء بها. وعليه كذلك أن يراقب الله - تعالى - في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئا، لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله - تعالى - .
وقد أمر الله - تعالى - بأن يكون الذي يملى على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين، أو يملى شيئا ليس محل اتفاق بينه وبين المدين، ولأن المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله - تعالى - حق الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره، ولكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين: تقوى الله وعدم الانقاص من الدين الذي عليه، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإملاء فقال - تعالى -:
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وهو المدين سَفِيهاً أي جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل، أو متلافا مبذرا لا يحسن تدبير أمره».
أَوْ ضَعِيفاً بأن يكون صبيا أو شيخا تقدمت به الشيخوخة.
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ بأن يكون عييا أو أخرس أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات.
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ أي فعلى ولى أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإملاء متحريا الحق والعدل فيما يكلف به.