"وَالنَّوْمُ حَالٌ يَعْرِضُ لِلْحَيَوَانِ مِنِ اسْتِرْخَاءِ أَعْصَابِ الدِّمَاغِ مِنْ رُطُوبَاتِ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ بِحَيْثُ تَقِفُ الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ عَنِ الْإِحْسَاسِ رَأْسًا"وَهُوَ قَوْلُ الْأَطِبَّاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ . وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ أَقْوَالٌ أُخْرَى مُخْتَلِفَةٌ سَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا . قِيلَ: كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَنْفِيَ النَّوْمَ أَوَّلًا وَالسِّنَةَ بَعْدَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّرَقِّي . وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَا فِي النَّظْمِ جَاءَ عَلَى حَسَبِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ فِي الْوُجُودِ ، فَنَفَى مَا يَعْرِضُ أَوَّلًا ثُمَّ مَا يَتْبَعُهُ . وَقَدْ قَالَ: لَا تَأْخُذُهُ دُونَ"لَا تَعْرِضُ لَهُ أَوْ لَا تَطْرَأُ عَلَيْهِ"مُرَاعَاةً لِلْوَاقِعِ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّ السِّنَةَ وَالنَّوْمَ يَأْخُذَانِ الْحَيَوَانَ عَنْ نَفْسِهِ أَخْذًا ، وَيَسْتَوْلِيَانِ عَلَيْهِ اسْتِيلَاءً .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي النَّظْمِ الْكَرِيمِ تَرَقٍّ فِي نَفْيِ هَذَا النَّقْصِ ، وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ التَّرَقِّي فَقَدْ غَفَلَ عَنْ مَعْنَى الْأَخْذِ وَهُوَ الْغَلَبُ وَالِاسْتِيلَاءُ ، وَمَنْ لَا تَغْلِبُهُ السِّنَةُ قَدْ يَغْلِبُهُ النَّوْمُ لِأَنَّهُ أَقْوَى ، فَذِكْرُ النَّوْمِ بَعْدَ السِّنَةِ تَرَقٍّ مِنْ نَفْيِ الْأَضْعَفِ إِلَى نَفْيِ الْأَقْوَى . وَالْجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهَا مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنَى الْحَيَاةِ وَالْقَيُّومِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ ; فَإِنَّ مَنْ تَأْخُذُهُ السِّنَةُ وَالنَّوْمُ يَكُونُ ضَعِيفَ الْحَيَاةِ وَضَعِيفَ الْقِيَامِ بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ .