تَقَدَّمَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا أَهْلُ الْكِتَابِ ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) ظَاهِرٌ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ، فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ بَيَانٌ لِحَقِيقَةِ حَالِهِمْ ، وَأَنَّ الْآيَاتِ وَالنُّذُرَ لَا تُرْجِعُهُمْ عَنْ ضَلَالِهِمْ ، فَإِذَا اسْتَمَرُّوا عَلَى الْجُحُودِ وَالْخِصَامِ ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى الدُّخُولِ فِي السَّلَامِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدْعًا مِنْهُمْ ، وَلَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ غَيْرُ بَيِّنٍ لَهُمْ ، فَكَمْ جَاءَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ ، وَكَمْ بَلَاهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، وَلَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، وَلَا صَدَّهُمْ عَنْ خِلَافِهِمْ وَشِقَاقِهِمْ ، بَلْ بَدَّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ، وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ) عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَقِّ ، وَالْوَحْدَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الشُّكْرِ (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ) بِالْبَيَانِ ، وَأُبْرِهَتْ بِالْبُرْهَانِ ، بِجَعْلِهَا مُثَارًا لِلتَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَجَعْلِ الْأُمَّةِ الْوَاحِدَةِ شِيَعًا وَأَحْزَابًا وَمَذَاهِبَ وَفِرَقًا بِسُوءِ التَّأْوِيلِ وَعَصَبِيَّاتِ الرِّيَاسَةِ وَالسِّيَاسَةِ (فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) لِمَنْ تَنَكَّبَ سُنَّتَهُ وَخَالَفَ شِرْعَتَهُ - وَهَؤُلَاءِ الْمُبَدِّلُونَ مِنْهُمْ - فَالْعِقَابُ الشَّدِيدُ