وَأَمَّا ظُلَلُ الْغَمَامِ: فَهِيَ قِطَعُ السَّحَابِ الْأَوَّلِ ، وَهِيَ جَمْعُ ظُلَّةٍ - بِالضَّمِّ - كَغُرَفٍ ، جُمَعُ غُرْفَةٍ ، وَهِيَ مَا أَظَلَّكَ ، وَالثَّانِي جَمْعُ غَمَامَةٍ كَسَحَابٍ وَسَحَابَةٍ وَزْنًا وَمَعْنًى ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغِمُّ السَّمَاءَ; أَيْ: يَسْتُرُهَا ، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْغَمَامَ بِالسَّحَابِ الْأَبْيَضِ ، وَزَادَ بَعْضٌ آخَرُ الرَّقِيقَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَبْيَضَ الرَّقِيقَ لَا يُمْطِرُ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْبَرَدَ حَبَّ الْغَمَامِ . وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ إِتْيَانَ أَمْرِ اللهِ أَوْ عَذَابِهِ فِي الْغَمَامِ عِبَارَةٌ عَنْ مَجِيئِهِ مِنْ حَيْثُ تُرْجَى الرَّحْمَةُ بِالْمَطَرِ ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي تَمْثِيلِ هَوْلِ الْعَذَابِ وَفَظَاعَتِهِ; لِأَنَّ الْخَوْفَ إِذَا جَاءَ مِنْ مَوْضِعِ الْأَمْنِ كَانَ خَطْبُهُ أَعْظَمَ ، وَالْعَذَابُ إِذَا فَاجَأَ مِنْ حَيْثُ تُرْجَى الرَّحْمَةُ كَانَ وَقْعُهُ آلَمُ ، كَمَا وَقَعَ لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (46: 24) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْغَمَامَ مَظِنَّةُ الْمَطَرِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْغَمَامَ هُوَ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ لَا يَعْنِي بِهِ تِلْكَ السَّحَائِبَ الْبِيضَ الرِّقَاقَ الْمُرْتَفِعَةَ الَّتِي تَظْهَرُ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ ذَلِكَ السَّحَابَ الْمُسِفَّ لِثِقَلِهِ بِالْمَطَرِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْبَيَاضِ مِنْهُ إِلَى السَّوَادِ .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَإِنَّ الْحِكْمَةَ فِي نُزُولِ الْعَذَابِ فِي الْغَمَامِ إِنْزَالُهُ فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ تَمْهِيدٍ