وهنا يثير العلماء بحثا لفظيا: كيف يسمى المقابلة بالمثل اعتداء؛ إن الاعتداء هو الابتداء، أما العقوبة أو المقاومة فهي عدل وانتصار، لأن مقاومة الظلم هي عين العدل، فكيف تسمى اعتداء؛ وقد أجابوا عن ذلك بأن المشاكلة في الفعل التي تقتضيها المماثلة سوغت أن يسمى الفعل باسم نظيره، كما قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مثْلُهَا. . .) ، وإن ذلك لَا يمنع الحقيقة، لأنه وإن تشاكلتَ الأفعال والأوصاف المنبعثة من الفاعل مختلفة، فالفعل الأول اعتداء لأنه صدر عن ظالم، وكان ظلمًا، والثاني ليس في حقيقته اعتداء، لأنه انبعث عن عادل، وكان عدلا.
هذا مرمى ما قاله العلماء اعتراضًا وإيرادًا، وجوابًا وردا؛ وعندي أن تسمية مقاومة الاعتداء بمثله اعتداء، إذا كانت المقاومة حربا ونزالا، فيه إشارة إلى معنى إنساني جليل، وهو أن القتل في كل صوره وأحواله، ولو كان ردا لمثله، فيه اعتداء على النفس الإنسانية التي حرم الله قتلها بغير نفس أو فساد في الأرض، وأنه عمل خطير تقشعر من هوله الأبدان، ولا يصح الإقدام عليه إلا إذا اضطرت الفضيلة والأخلاق إليه؛ وإن الإقدام عليه يكون كالإقدام على الضرورات المحظورة في
ذاتها، يقدر بقدرها. فلا يسرف القاتل في القتل؛ لأنه في أصله محظور ممنوع كأكل الميتة لَا يباح إلا للضرورة، ولا يصح للمقاتل باسم الإسلام أن يسرف في القتل ما ْأمكنه الانتصار بدونه؛ ولعل هذا المعنى الجليل هو الذي جعل عمر الفاروق الذي كان ينظر بنور الله يكره قتال خالد بن الوبيد، ويقول:"إن في سيفه لرهقًا"ويعجب بقتال عمرو بن العاص الذي فتح مصر بأقل ما يتصور من الدماء، ويقول"إن حربه رفيقة".