وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَهُ لَمَّا خَاطَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَدَخَلَ فِي صَفِّ الرُّومِ فَقَالَ النَّاسُ: أَلْقَى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ . فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَذَكَرَهُ .
أَقُولُ: وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا بِالْمِرْصَادِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ كَثِيرُونَ فَلَوِ انْصَرَفُوا عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ إِلَى تَثْمِيرِ الْأَمْوَالِ لَاغْتَالُوهُمْ ، وَإِصْلَاحُ الْأَمْوَالِ وَاسْتِثْمَارُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ أَسَاسُ الْقُوَّةِ ، فَقُوى الدُّوَلِ عَلَى قَدْرِ ثَرْوَتِهَا ، فَالْأُمَّةُ الَّتِي تُقَصِّرُ فِي تَوْفِيرِ الثَّرْوَةِ هِيَ الَّتِي تُلْقِي بِأَيْدِيهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وَالَّتِي تُقَصِّرُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ لِلِاسْتِعْدَادِ لِقِتَالِ مَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهَا تَكُونُ أَدْنَى إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وَلَا ثَرْوَةَ مَعَ الظُّلْمِ ، وَلَا عَدْلَ مَعَ الْحُكْمِ الْمُطْلَقِ الِاسْتِبْدَادِيِّ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ عَلَى عُمُومِهِ ; أَيْ: أَحْسِنُوا كُلَّ أَعْمَالِكُمْ وَأَتْقِنُوهَا فَلَا تُهْمِلُوا إِتْقَانَ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّطَوُّعُ بِالْإِنْفَاقِ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ (التَّوْبَةِ) الَّتِي يُسَمُّونَهَا آيَةَ السَّيْفِ . وَهَاكَ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مُحَصِّلُ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ يَنْطَبِقُ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ سَبَبِ
نُزُولِهَا ، وَهُوَ إِبَاحَةُ الْقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْإِحْرَامِ بِالْبَلَدِ