فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ: وَأَنْفِقُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِيهَا فَتَهْلَكُوا بِاسْتِحْقَاقِكُمْ بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ عَذَابِي.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ إِدْخَالِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ.
{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَلْقَيْتُ إِلَى فُلَانٍ دِرْهَمًا، دُونَ أَلَقَيْتُ إِلَى فُلَانٍ بِدِرْهَمٍ؟
قِيلَ: قَدْ قِيلَ إِنَّهَا زِيدَتْ نَحْوَ زِيَادَةِ الْقَائِلِ فِي الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: جَذَبْتُ بِالثَّوْبِ، وَجَذَبْتُ الثَّوْبَ، وَتَعَلَّقْتُ بِهِ، وَتَعَلَّقْتُهُ، وَ {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} وَإِنَّمَا هُوَ تَنْبُتُ الدُّهْنَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} أَصْلٌ لِلْكَلِمَةِ، لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ وَاقِعٌ كُنِّيَ عَنْهُ فَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهَا، نَحْوَ قَوْلِكَ فِي رَجُلٍ: «كَلَّمْتُهُ» ، فَأَرَدْتَ الْكِنَايَةَ عَنْ فِعْلِهِ، فَإِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ قُلْتَ: «فَعَلْتُ بِهِ» قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ الْبَاءُ هِيَ الْأَصْلُ جَازَ إِدْخَالُ الْبَاءِ وَإِخْرَاجِهَا فِي كُلِّ فِعْلٍ سَبِيلُهُ سَبِيلُ كَلِمَتُهُ.
وَأَمَّا التَّهْلُكَةُ، فَإِنَّهَا التَّفْعِلَةُ مِنَ الْهَلَاكِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَأَحْسِنُوا} أَحْسَنُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَدَاءَ مَا أَلْزَمْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي، وَتَجَنَّبْ مَا أَمَرْتُكُمْ بِتَجَنُّبِهِ مِنْ مَعَاصِي، وَمَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِي. وَعَوْدُ الْقَوِيِّ مِنْكُمْ عَلَى الضَّعِيفِ ذِي الْخُلَّةِ، فَإِنِّي أُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: أَحْسَنُوا بِالْعَوْدِ عَلَى الْمُحْتَاجِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 3/}