المستقيم هو الاستدلال بالمعلوم على المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب، ولما ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه، فإذا رأينا اختلاف حال القمر وجب أن نعلم أن فيه حكمة ومصلحة، وهذا استدلال بالمعلوم على المجهول.
فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله غير حكيم فهو استدلال بالمجهول على المعلوم، فكأنه تعالى يقول: لما لم تعلموا حكمته فِي اختلاف نور القمر صرتم شاكين فِي حكمة الخالق أو قاربتم الشك، فقد أتيتم الأمر من ورائه وهذا ليس من البر ولا من كمال العقل، إنما البر أن تأتوا الأمور من وجوهها التي يجب أن تؤتى منها، وهذا باب مشهور فِي الكناية قال الأعشى:
وكأس شربت على رغبة ... وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أني أمرؤ ... أتيت المعيشة من بابها
وعن أبي مسلم: أن هذا إشارة إلى ما كانوا يفعلونه من النسيء وكان يقع الحج فِي غير وقته، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثلاً لمخالفتهم الواجب فِي الحج وشهوره. ثم إنه تعالى أمرهم بالتقوى التي تتضمن الإتيان بجميع الواجبات والاجتناب عن الفواحش والمنكرات إرادة أن يظفروا بالمطالب الدينية والدنيوية والله ولي التوفيق. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 1 صـ 523 - 527}