قوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر}
استئناف بياني كالعلة لقوله: {ومن كان مريضاً} الخ بيَّن به حكمة الرخصة أي شرع لكم القضاءَ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة.
وقوله: {ولا يريد بكم العسر} نفي لضد اليسر، وقد كان يقوم مقام هاتين الجملتين جملةُ قصر نحو أن يقول: ما يريد بكم إلاّ اليسر، لكنه عُدل عن جملة القصر إلى جملتي إثبات ونفي لأن المقصود ابتداءً هو جملة الإثبات لتكون تعليلاً للرخصة، وجاءت بعدها جملة النفي تأكيداً لها، ويجوز أن يكون قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] إلى هنا فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام وإن كانت تلوح فِي صورة المشقة والعسر فإن فِي طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر أي تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 175}
قال مجاهد، والضَّحَّاك: اليُسْر: الفِطْر فِي السفر، والعسر: الصوم فِي السفر.
والوجْهُ عمومُ اللفظِ فِي جميع أمورِ الدينِ، وقد فسر ذلك قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ".
قلتُ: قال ابْنُ الفاكهانيِّ فِي"شرح الأربعينَ"للنَّوويِّ: فإِن قلْتَ: قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً .. } [الشرح: 6] الآيةَ، يدلُّ على وقوع العُسْر قطعاً، وقوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} يدلُّ على نفي العسرِ قطعاً؛ لأن ما لا يريده تعالى، لا يكون بإجماع أهل السنة، قلْتُ: العسرُ المنفيُّ غير المثبت، فالمنفيُّ: إنما هو العسر فِي الأحكام، لا غير، فلا تعارض. انتهى.