الجواب على الرواية فِي سبب نزول الآية من الأسلوب الحكيم . وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب - بتنزيل سؤاله منزلة غيره ؛ تنبيهاً للسائل على أن ذلك الغير هو الأولى بحاله أو المهم له . فلما سألوا عن السبب الفاعلي للتشكلات النورية فِي الهلال ، أجيبوا بما ترى من السبب الغائي ؛ تنبيهاً على أن السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم ؛ لأن درك الأسباب الفاعلية لتلك التشكلات مبني على أمور من علم الهيئة لا عناية للشرع بها . فلو أجيبوا: بأن اختلاف تشكلات الهلال ، بقدر محاذاته للشمس ، فإذا حاذاها طرف منه استنار ذلك الطرف . ثم تزداد المحاذاة والاستنارة ، حتى إذا تمت بالمقابلة امتلأ . ثم تنقص المحاذاة والاستنارة حتى إذا حصل الاجتماع أظلم بالكلية ؛ لكان هذا الجواب اشتغالاً بعلم الهيئة الذي لا ينتفع به فِي الدين ، ولا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم . والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان ذلك وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر ، زاد ما زاد ) . أخرجه الإمام أحمد . وأبو داود ، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقال علي رضي الله عنه: من طلب علم النجوم تكهّن . وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( علم لا ينفع ، وجهل لا يضر ) . والمقصود أن الجواب ، على الرواية الثانية من الأسلوب الحكيم ؛ إشعاراً بأن الأولى السؤال عن الحكمة فيه .
قال السكاكي فِي"المفتاح": ولهذا النوع - أعني إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر - أساليب متفننة ، إذ ما من مقتضى كلام ظاهري إلا ولهذا النوع مدخل فيه بجهة من جهات البلاغة . ترشد إليه تارة بالتصريح ، وتارة بالفحوى . ولكل من تلك الأساليب عرق فِي البلاغة يتشرب من أفانين سحرها ، ولا كأسلوب الحكيم فيها ، وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب كما قال: