(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) فُهِمَ مِنْ غَايَةِ وَقْتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ مَبْدَأُ الصِّيَامِ . وَذَكَرَ فِي هَذِهِ غَايَتَهُ وَهِيَ ابْتِدَاءُ اللَّيْلِ بِغُرُوبِ قُرْصِ الشَّمْسِ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَهَابِ شُعَاعِهَا عَنْ جُدْرَانِ الْبُيُوتِ وَالْمَآذِنِ ، وَلَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْأَغْوَارِ وَالْقِيعَانِ ذَهَابُ شُعَاعِهَا عَنْ شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ بَعِيدَةً كَانَتْ أَوْ قَرِيبَةً ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ فِي أُفُقِهِمُ الَّذِي يَتْلُوهُ إِقْبَالُ اللَّيْلِ . قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إِذَا أَدْبَرَ النَّهَارُ وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَزَادَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ (مِنْ هَاهُنَا) عِنْدَ ذِكْرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ ، وَلِلْمَبَانِي الْعَصْرِيَّةِ الشَّامِخَةِ فِي بِلَادِ أَمْرِيكَا حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ .
وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ جَاءَ بِأُسْلُوبِ الْإِطْنَابِ ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلْإِجْمَالِ بَعْدَ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ الْبَيَانَ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ ، وَأَظْهَرَ فِي رَحْمَةِ الشَّارِعِ
الْحَكِيمِ (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومِ إِبَاحَةِ الْمُبَاشَرَةِ .