وقال الإمام الحداد في رسالته المعاونة، واعلم أن الدعاء والإلحاح لا يقدح في الرضا بل هو من الرضا كيف والدعاء معرب على التحقيق بالتوحيد وهو لسان العبودية، وعنوان التحقق بالعجز والاضطرار والذلة والافتقار ومن تحقق بهذه الأوصاف عرف ووصل وعلى غاية القرب من الله حصل.
وقد ورد عن الوصول صلى الله عليه وسلّم أن الدعاء مخ العبادة وسلاح المؤمن ونور السماوات والأرض. وأن من لا يسأل الله يغضب عليه. وقال مولانا: جلت قدرته {وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} . وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال، وما وقع من الخليل عليه السلام من الإمساك عن الدعاء حين طرح في النار إنما ذلك لسر اختص بتلك الحال وإلا فقد حكى الله عنه الدعاء في مواضع عديدة من كتابه بل لم يحك عن أحد من الأنبياء أكثر مما حكى عنه فتفقه في كتاب الله، واستخرج العلوم منه فإنها بجملتها مودعة فيه لا يشذ منها دقيق ولا جليل ولا جلي ولا خفي. قال الله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} اهـ.
قال: وحكم الرضا بأفعال الله على وجه الإجمال أن تعتقد أن جميع أفعال الله وقعت على وجه لا أحكم منه ولا أعدل ولا أفضل منه ولا أكمل، وذلك واجب على كل مؤمن. قال: وليس من الرضا في شيء ما يجده بعض الأغبياء من الطمأنينة عند ترك بعض المأمورات أو ارتكاب بعض المحظورات فإن فعل المعاصي وترك الطاعات مما يسخط الله تعالى فكيف يرض هو بشيء لا يرضى به الله. {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} وإنما رضى هذا المسكين عن نفسه فظن أنه رضي عن ربه والرضا عن الله وعن النفس بعيد أن يجتمعا في موطن واحد.
قال: وما أحسن ما قاله الإمام الغزالي رضي الله عنه في رسالته إلى أبي الفتح الدمشقي رحمه الله الرضا هو أن ترضى بما يفعل الله باطناً، وتفعل ما يضيه ظاهراً وباطناً انتهى كلام الحداد فلقد أحسن وأجاد فتدبره تظفر بالرشاد وتلك سبيل السداد.
وقال الغزالي: إن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟
فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء اهـ.
وفي حديث صحيح أنه صلى الله عليه وسلّم كان يقول في دعائه بعد التشهد: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ثم يسلم» .