قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ الصَّبْرِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَالْمَانِعِينَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَأْسَاءِ، وَالضَّرَّاءِ، وَحِينَ الْبَأْسِ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ لَهُمُ الْحَابِسِيهَا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ
«أَمَا الْبَأْسَاءُ فَالْفَقْرُ، وَأَمَّا الضَّرَّاءُ فَالسُّقْمُ»
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «الْبَأْسَاءُ الْجُوعُ، وَالضَّرَّاءُ الْمَرَضُ»
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ"كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ الْبَأْسَاءَ: الْبُؤْسُ وَالْفَقْرُ، وَأَنَّ الضَّرَّاءَ: السُّقْمُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ أَيُّوبُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} "
وقيلَ"الْبَأْسَاءُ: الْبُؤْسُ، وَالضَّرَّاءُ: الزَّمَانَةُ فِي الْجَسَدِ"
وَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَأْسَاءُ، وَالضَّرَّاءُ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَعْلَاءَ لَيْسَ لَهُ أَفْعَلُ لِأَنَّهُ اسْمٌ، كَمَا قَدْ جَاءَ أَفْعَلُ فِي الْأَسْمَاءِ لَيْسَ لَهُ فَعْلَاءُ نَحْوَ أَحْمَدَ، وَقَدْ قَالُوا فِي الصِّفَةِ أَفْعَلُ وَلَمْ يَجِئْ لَهُ فَعْلَاءُ، فَقَالُوا: أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ أَوْجَلُ، وَلَمْ يَقُولُوا وَجْلَاءَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، فَإِنَّ الْبَأْسَاءَ الْبُؤْسُ، وَالضَّرَّاءَ الضُّرُّ، وَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ إِنْ شِئْتَ لِمُؤَنَّثٍ وَإِنْ شِئْتَ لِمُذَكَّرٍ كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:
[البحر الطويل]
فَتُنْتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ ... كَأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
يَعْنِي فَتَنْتِجْ لَكُمْ غِلْمَانَ شُؤْمٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ اسْمًا يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مُذَّكِرٍ وَمُؤَنَّثٍ لَجَازَ إِجْرَاءُ أَفْعَلَ فِي النَّكِرَةِ، وَلَكِنَّهُ اسْمٌ قَامَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: «لَئِنْ طَلَبْتُ نُصْرَتَهُمْ لَتَجِدَنَّهُمْ غَيْرَ أَبْعَدَ» بِغَيْرِ إِجْرَاءٍ؛ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ.