حجة على القدرية والمعتزلة واضحة - إذ قد أخبر نصًّا يإيداع المصائب كتابه السابق قبل وقوعها ، والهاء في (نَبْرَأَهَا) لا تخلو من أن تكون راجعة
على الأنفس ، أو على الأرض ، فإن كانت على الأرض فالأنفس
مخلوقة بعدها ، وإن كانت على الأنفس فمصائبها مكتوبهّ علمها قبل
خلقها ، وهي على كل الأحوال قبل الأنفس ،
ولا يتمانع ذو الحجا - من أهل اللغة - أن المعاصي أكبر المصائب والجنايات من جانبها ، والمجني عليه مصيبة واصلة إليه من كتب إليه فعل يفعله ، أو يفعل به ، فلابد من كونه.
ذكر الطب:
وقوله - تعالى -: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)
حجة في أصل الطب ، والمتوصل إلى الشفاء بواسطة
من العلاجات بالأدوية ، لأن المنافع وإن كانت راجعة على السلاح
والأدوات وأَثمان الحديد فالَخبَث من منافعه ، وهو خارج منه.
حدثنا العِجلي ، دثنا أحمد بن عيسى بن اللخمي ، دثنا
إسماعيل بن مسلمة بن قعنب ، قال: حدثني سلم بن قتيبة ، عن
مسلمة بن قعنب ، قال: دخلت عليه فقال لي: اشرب من
شراب كان فيه اللبن يجعل فيه خبث الحديث وأخلاط معه ، فقال:
اشرب ، حدثني ابن عون ،
عن ابن سيرين ، قال: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)
وأرجو أن يكون هذا منه"."
ومثل ذلك قوله - إخبارًا عن النحل -: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) ، هو دليل على إباحة التداوي مع ما
جاء عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الأمر بالتداوي لونًا
لونًا.
المعتزلة:
وقوله: (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(26) ،
وقوله: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(27)
في أشباه لهما رد على المعتزلة فيما يجعلون الفسق درجة بين درجتين من الإيمان