قوله: (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) ، مقصود به - لا محالة -
قومًا آخرين ، ففيه دليل على جواز اختصار الكلام ، والإشارة إلى
المعنى.
الوعيد:
وقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
نظير ما مضى في سورة آل عمران.
(أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)
حجة على المعتزلة في باب الوعيد - شديدة - لو تأملوها ، إذ ما لا يفهمونه من الخُلْف خانق لهم -
في هذا الموضع - فيقال لهم: كيف يجوز عندكم أن يكون الله - جل
جلاله - يخبر عن نفسه بإعداد الجنة للمؤمنين به ، وبرسوله - في هذه
الآية - بلا شرط ، فيكون فيهم من يذنب ذنبًا - واحدًا - فلا يجعل له
حظًّا فيما أعد لمن آمن به وبرسوله ، من أجل ذلك الذنب الواحد ،
لأن ذلك الذنب محا الإيمان من صدره ، وأنطق بالكفر لسانه !.
فإن قالوا: لا ، ولكنه أوعده النار على ذنبه.
قيل لهم: فأوعده إدخال النار وحده أو أوعده مع الإدخال
الخلود ؟.
فإن قالوا: أوعده كلاهما ، كابروا في الدعوى ، وطولبوا بالتلاوة
في ذلك ، ولا سبيل لهم إليه.
وإن قالوا: بل أوعده النار ، ولم يوعده الخلود.
قيل: فما بالكم تخلدونه - فيها - بعد استيفاء الجزاء على ذنبه ،
وأنتم قوم تقودون دليل العقل ، وتأخذون أفعال الله بعبيده من أفعال
الخلق بعضهم ببعض في باب العدل والتوحيد وغيره ، أفسائغ في
عقولكم - ليت شعري - أن يتواعد رجل عبده بضرب على فعل إن
فعله ، فيتقدم بين يدي نهيه يفعل ذلك الفعل ، فإن ضربه ثم خلاّه عد
كذبا عليه ، وخلفا لوعيده ، لتخليته بعد ضريه ، ولا يكون -
عندكم - صادقًا ، ولا منجبزا وعيده إلا بتتابع الضرب وسرمدته عليه
عمره ! كما يزعمون: أن من أدخله الله - بعدله - نار جهنم عقوبة
على خطيئته ، ثم أخرجه بعد استيفاء عقوبة خطيئته أنه مخُلف لإيعاده