والحكمة في تقديم الجن هنا على الإنس، وتأخيرهم عنهم في قوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ} [الإسراء: 88]
أن الجن أقوى من الإنس، فقدموا فيما يتعلق بالهروب، والإنس أفصح من الجن، فقدموا فيما يتعلق بالمعارضة بالقرآن، فقدم في كل موضع ما يناسبه.
قوله: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}
أي يترددون بينهما، فحين يستغيثون من النار، يسعى بهم إلى الحميم، فيسقون منه ويصب فوق رؤوسهم، فإذا استغاثوا منه يسعى بهم إلى النار، وهكذا قوله: (يسقونه) الخ، أي ويغمسون فيه، لما رود عن كعب: إن وادياً من أودية جهنم، يجتمع فيه صديد أهل النار، فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها، وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً فليقون في النار، فذلك قوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} .
قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}
أي لكل شخص خائف، سواء كان من الإنس أو من الجن، فالجن كالإنس في النعيم، وهو ما عليه الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: إن من مات من الجن مسلماً، يصير تراباً كالبهائم، ولا حظ له في النعيم، قوله: (أي لكل منهم) أي لكل فرد من أفراد الخائفين جنتان، واختلف في المراد بالجنتين اللتين يعطاهما كل خائف، فقيل جنة لعقيدته وجنة لعمله، وقيل جنة لطاعته، وقيل جنة لترك المعاصي، وقل جنة يثاب بها وجنة يتفضل بها عليه. وقيل إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه، كعادة الأكابر في الدنيا، وقيل إحدى الجنتين مسكنة والآخر بستانه، وقيل إحدى الجنتين خلقت له، والأخرى جنة ورثها من الكفار، وعلى كل من الأقوال تسمى إحداهما جنة عدن، والأخرى جنة النعيم، وروي عن ابن عباس في وصف الجنتين أنه قال: الجنتان بستانان في عرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام، في وسط كل بستان دار من نور، وليس منهما شيء إلا يتهز نعمة وخضرة، قرارها ثابت، وشجرها نابت، وقيل: المراد بالجنتين جنة واحدة، وإنما يثنى رعاية للفواصل.
قوله: (أو لمجموعهم) أي إن الكلام على سبيل التوزيع، فإحدى الجنتين للخائف الإنسي، والأخرى للخائف الجني، فكل خائل ليس له إلا جنة واحدة، والأول هو المعتمد.