وعن عبد الله ابن طَاهِرٍ: أَنَّهُ دَعَا الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ وَقَالَ لَهُ: أَشْكَلَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُ آيَاتٍ دَعَوْتُكَ لِتَكْشِفَهَا لِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّدَمَ تَوْبَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْقَلَمَ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلِهِ: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى) فَمَا بَالُ الْأَضْعَافِ؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: يَجُوزُ أَلَّا يَكُونَ النَّدَمُ تَوْبَةً فِي تِلْكَ الْأُمَّةِ، وَيَكُونُ تَوْبَةً فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِخَصَائِصَ لَمْ تُشَارِكْهُمْ فِيهَا الْأُمَمُ.
وَقِيلَ: إِنَّ نَدَمَ قَابِيلَ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَتْلِ هَابِيلَ وَلَكِنْ عَلَى حَمْلِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فَإِنَّهَا شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا شُئُونٌ يَبْتَدِيهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى) فَمَعْنَاهُ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا سَعَى عَدْلًا وَلِي أَنْ أَجْزِيَهُ بِوَاحِدَةٍ أَلْفًا فَضْلًا.
فَقَامَ عَبْدُ الله وقبل رأسه وسوغ خراجه.
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ(31)
يُقَالُ: فَرَغْتُ مِنَ الشُّغْلِ أَفْرُغُ فُرُوغًا وَفَرَاغًا وَتَفَرَّغْتُ لِكَذَا وَاسْتَفْرَغْتُ مَجْهُودِي فِي كَذَا أَيْ بَذَلْتُهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ شُغْلٌ يَفْرُغُ مِنْهُ، إِنَّمَا الْمَعْنَى سَنَقْصِدُ لِمُجَازَاتِكُمْ أَوْ مُحَاسَبَتِكُمْ، وَهَذَا وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُرِيدُ تَهْدِيدَهُ: إِذًا أَتَفَرَّغُ لَكَ أَيْ أَقْصِدُكَ. وَفَرَغَ بِمَعْنَى قَصَدَ، وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا لِجَرِيرٍ:
الْآنَ وَقَدْ فَرَغْتُ إِلَى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهَا عَذَابَا
يُرِيدُ وَقَدْ قَصَدْتُ.
وَقَالَ أَيْضًا وَأَنْشَدَهُ النَّحَّاسُ:
فَرَغْتُ إِلَى الْعَبْدِ الْمُقَيَّدِ فِي الْحِجْلِ