فالجواب: أن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة، لأن معنى الفاعلية ظاهرٌ هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعَمَرُوهَا فصارت بلدة فأسقط الهاء لأن معنى الفاعلية ظاهر فيثبت فيه الهاء، وإذا كان بمعنى الفاعل لم يظهر لا يثبت فيه الهاء، ويحقق هذا قوله: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} [سبأ: 15] حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعلية ولم يثبت حيث لم يظهر.
قوله: «كَذَلِكَ الْخُرُوجُ» أي من القبور أي كالإحياء الخروج.
«فَإِنْ قِيلَ» : الإحياء يشبه به الإخراج لا الخروج؟
فالجواب: تقديره أحيينا به بلدةً ميْتاً فتشققت وخرج منها النبات كذلك تَتَشققُ ويخرج منها الأموات.
قال ابن الخطيب: وهذا يؤكد قولنا: إن الرَّجْعَ بمعنى الرجوع في قوله: {ذلك رجع بعيد} ؛ لأنه تعالى بين لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسبهُ أن يقول: كذلك الإخراج فلما قال: كذلك الخروج فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال: كذلك الرجوع والخروج.
{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) }
ومعنى أفعيينا بالخلق الأول أي أَعَجَزْنَا حين خلقناهم أولاً فتعبنا بالإعادة. وهذا تقريع لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث، ويقال لكل من عجز عن شيء عَيِي بِهِ.
{بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ} أي شك {مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهو البعث. والمراد بالخلق الأول قبل خلقهم ابتداء لقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87] . وقيل: هو خلق السماوات لأنه هو الخلق الأول فكأنه تعالى قال: {أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء} [ق: 6] ثم قال: «أَفَعَيِينَا» بهذا، ويؤيدهُ قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} [الأحقاف: 33] وقال بعد هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان} وعطفه بحرف الواو على ما تقدم من الخلق، وهو بناء السماوات، ومدّ الأرض، وتنزيل الماء وإنبات الحبِّ.
(فصل)