وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغيةً على الأخرى ، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب ، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغيّ عليها بالقسط والعدل.
فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة ، فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيّرة والبراهين القاطعة على مراشد الحق.
فإن ركبتا متن اللّجاج ولم تعملا على شاكلة ما هُدِيَتَا إليه ونُصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين.
والله أعلم.
الثالثة في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين.
وعلى فساد قول من منع من قتال المؤمنين ، واحتج بقوله عليه السلام:"قتال المؤمن كفر"ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر ، تعالى الله عن ذلك! وقد قاتل الصدّيق رضي الله عنه: من تمسك بالإسلام وامتنع من الزكاة ؛ وأمر ألا يُتبع مُوَلٍّ ، ولا يُجهز على جريح ، ولم تحل أموالهم ، بخلاف الواجب في الكفار.
وقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهربَ منه ولزومَ المنازل لما أقيم حدّ ولا أبطل باطل ، ولَوَجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كلّ ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسَبْي نسائهم وسفك دمائهم ، بأن يتحزّبوا عليهم ، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم ، وذلك مخالف لقوله عليه السلام:"خذوا على أيدي سفهائكم".