أحدهما: أن التقدير: والقرآن المجيد إنك المنذر، أو والقرآن المجيد إن الرجع لكائن، لأن كلام الأمرين ورد طاهراً، أما الأوّل فقوله تعالى: {يس والقرآن الحكيم} إلى أن قال: {لِتُنذِرَ قَوْماً} .
وأما الثاني: فقوله تعالى: {والطور وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} .
قال ابن الخطيب: وهذا الوجه يظهر غاية الظهور على قول من قال: «ق» اسم جبل فإن القسم يكون بالجبل والقرآن، وهناك أقسم بالطور والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن وإن فهم بقرينة حالية فهو كون محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الحق فإِن الكفار كانوا ينكرون ذلك.
{بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) }
«فَإِنْ قِيلَ» : فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمُضْرَب عنه، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوثيق العزيز؟
قال ابن الخطيب: أما حذف المقسم عليه فلأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من الذكر، لأن من ذكر المَلِكَ العظيم في مجلس، وأثنى عليه يكون قد عَظَّمَهُ، فإذا قال له غيره: هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالاًّ على عظمة فوق ما استفيد بذكره فالله تعالى ذكر المقسم عليه لبيان هو أظهر من أن يذكر. وأما حذف المُضْرب عنه، فلأن المُضْرَب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمرٍ آخر، وكان بين المذكورين تفاوتٌ ما، فإذا عظم التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب، مثاله يحسن أن يقال: الوَزيرُ يعظم، فلا يماثل الملك بعظمه، ولا يحسن أن يقال: البوابُ يُعَظَّم فلا يماثل الملك بعظمه لكون البوْن بينهما بعيداً، إذ الإِضراب للتدريج، فإِذا ترك المتكلم المُضْرَبَ عنه صريحاً وأتى بحرف الإضراب اسْتُفِيدَ منه أمران:
أحدهما: الإشارة إلى أمر آخر قبله مضربٌ عنه.