والثاني: عِظَم التفاوت بينهما: وهاهنا كذلك لأن الشك بعد قيام البُرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد فالعجب منه أبعد.
قوله: {فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ}
قال الزمخشري: هذا تعجّبٌ آخرُ من أمر آخرَ، وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} فتعجبوا من كونه منذراً ومن وقوع الحَشْر، ويدل عليه قوله في أول «ص» : {وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} [ص: 4] وقال: {أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] فذكر تعجبهم من أمرين. قال ابن الخطيب: والظاهر أن قولَهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر، لأن هناك ذكر: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ بعد الاستفهام الإنكاري فقال: {أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] وقال هاهنا: إنَّ {هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ} ، ولم يكن هناك ما تقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر، ثم قالوا: «أَئِذَا متْنَا» ، وأيضاً أن هاهنا وُجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أَمرٌ يؤدي معنى التعجب، وهو قولهم: {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} ؛ فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار.
«فَإِنْ قِيلَ» : التكرار الصريح يلزم من قولك: {هذا شيء عجيب} يعود إلى مجيء المنذر فإن تعجبهم منه علم من قوله: {وعجبوا أن جاءهم} فقوله: {هذا شيء عجيب} ليس تكراراً .