وعن عامر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان بالحديبية، فأنزل اللَّه - تعالى -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) فقال رجل: إنه فتح هو؟ قال:"نعم".
وعن جابر أنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.
وكذلك روي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: نزلت هذه الآية: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) بالحديبية.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم، ودخل في الإسلام في السنتين أكثر مما كان دخل قبيل ذلك، فلما رجع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة من الحديبية... وفي الحديث طول تركنا ذكره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)
يخرج على وجوه ثلاثة:
أحدها: أي: إنا قضينا ذلك قضاء بينًا بالحجج والبراهين على رسالتك ونبوتك؛ ليعلم أنك محق على ما تدعي، صادق في قولك؛ (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) بما أكرمك، وعظم أمرك بالرسالة والنبوة؛ أي: أعطاك ذلك وأكرمك به؛ ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
والثاني: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) ما لم يطمع أحد من الخلائق أنه يفتح عليك أمثال ذلك الفتح (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) .
والثالث: إنا فتحنا لك جميع أبواب الحكمة والعلوم وجميع أبواب الخيرات والحسنات (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) بما أكرمك من أبواب الحكمة والخيرات.
يخرج على هذه الوجوه الثلاثة، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ...(2) .
يخرج على وجهين:
أحدهما: يرجع إلى ذنبه؛ أخبر أنه غفر له.