فنهاهم عن أن يعاملوا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بالتوسع في الانبساط والاسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقي، فيدخل بيته بغير إذنه إذا دعاهم إلى طعام يعلمون لم يدرك عجلوا إليه وأحاطوا به منتظرين إدراكه، وإذا أحضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - قد يتأذى به ويستحي أن يكلمهم، ونهاهم أن يتباسطوا نساءهم، فيدفعوا إليهن شيئاً ويأخذوا منهن شيئاً، ناظرين إليهن كما يفعل ذلك بعضهم في بيت بعض عند اتساع الخلطة وتأكد الثقة، ثم أكد ذلك كله فقال عز وجل: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} فأعلمهم أن كل ما يتأذى به رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - من قول أو فعل فهو حرام عليهم، وليس بمملوك لهم في حياته وبعد وفاته، وكما لا يحل لهم أن يفعلوا في حياته ما يتأذى به، فكذلك ليس لهم أن يفعلوا بعد وفاته ما لو أعلم في حياته أنهم فاعلوه بعده، لتأذى به وشق عليه نحو تزوج نسائه من بعده.
وهذا ليعلموا أنه لا رخصة لهم بحال من الأحوال في إيذائه وتعاطي ما يشق عليه، وإن إرضاءه وتعظيمه وبوحي من أبهته هو الملازم لهم والواجب عليهم، ليكونوا مؤمنين به كما يقولون وبالله التوفيق.
وقال عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
والمعنى لا تقدموا قولاً أو فعلاً بين يدي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وفعله فيما سبيله أن يأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلي بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في ذلك بما يراه.
فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله - عز وجل - إذا كان رسوله لا يقضي إلا عنه، واتقوا الله أي واحذروا عقابه بتقدمكم بين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به ومخالفة شيء مما يأمركم به عن الله بوحي متلو أو غير متلو {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله - صلى الله عليه وسلّم - ، أو يأتونه اقتداء به واتباعاً له عليهم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك، فهو يجزيه بما سمعه ويعلمه منكم.