[الأنفال: 24] فعلم أن هناك حياتين حياة المادة وحياة الروح وهي المنهج.
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}
الحديث هنا عن بيعة الحديبية التي كانت عند شجرة الرضوان التي قال الله فيها في نفس هذه السورة
{لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18] .
إذن: الفتح الذي نحن بصدده ظهرت بشائره في هذه البيعة في بداية الفتح الأعظم، لذلك لما اعترض سيدنا عمر وقال لسيدنا رسول الله: لِمَ نُعطِ الدنية في ديننا؟ نهره الصِّديق أبو بكر وقال له: الزم غرزك يا عمر. يعني: لا تتعد حدودك واعرف مكانك.
وكان الصِّديق يقول: والله ما كان فَتْحٌ في الإسلام أعظمَ من فتح الحديبية، لماذا؟ لأنه الذي مهَّد لفتح مكة، ولكن الناس وقتها لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه، ومن طبيعة الناس العجلة.
أما الحق سبحانه فلا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، وتعلمون قصة السيدة أم سلمة"لما دخل عليها سيدنا رسول الله مُغْضباً، فقالت له: ما أغضبك يا رسول الله؟ قال: هلك المسلمون يا أم سلمة أمرتهم فلم يمتثلوا. قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون جاءوا على شوق لرؤية الكعبة، ثم يُمنعون عنها وبينهم وبينها كذا وكذا، اعذرهم يا رسول الله وانظر إلى ما أمرك الله به فافعله ولا تكلم أحداً، فإنهم إنْ رأوك فعلتَ فعلوا".
ونحجت خطة أم سلمة ونجى المسلمون من فتنة كادت تهلكهم، صحيح هي عصبية إيمانية وأمر في ظاهره يُرضي رسول الله، لكن إنْ كان الأمر الأعلى من الله فهو أَوْلى بالسمع والطاعة.
لذلك قالوا: من الشجاعة أن تجبن ساعة، هَبْ ونحن جالسون في مكان وبيننا أكابر وعظماء ودخل علينا مجرم وفي يده مسدس وأمرنا بالقيام وهددنا، ماذا نفعل؟ لابّد أنْ نمتثل لأمره في هذا الموقف حتى لا نخاطر بأنفسنا.
فهناك شجاعة على الغير، وشجاعة على النفس، وهذه من الحنكة والسياسة، وهذا ما فعله رسول الله وما رآه بما لديه من نورانية موصولة بالحق سبحانه.