قال القاضي أبو محمد: وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد ، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت ، وقال عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر.
والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع ، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء والملوك ، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة ، أي اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم. ومعنى: {إنما يبايعون الله} أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح ثمنها الله تعالى.
وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب: {إنما يبايعون الله} . قال أبو الفتح: ذلك على حذف المفعول لدلالة الأول عليه وقربه منه.
وقوله تعالى: {يد الله} قال جمهور المتأولين: اليد ، بمعنى: النعمة ، أي نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها. {فوق أيديهم} التي مدوها لبيعتك. وقال آخرون: {يد الله} هنا ، بمعنى: قوة الله فوق قواهم ، أي في نصرك ونصرهم ، فالآية على هذا تعديد نعمة عليهم مستقبلة مخبر بها ، وعلى التأويل الأول تعديد نعمة حاصلة تشرف بها الأمر. قال النقاش {يد الله} في الثواب.
وقوله: {فمن نكث} أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك ، فنكثه عليه لا له.
وقرأ جمهور القراء:"بما عاهد عليه الله"بالنصب على التعظيم. وقرأ ابن أبي إسحاق:"ومن أوفى بما عاهد عليه اللهُ"بالرفع ، على أن الله هو المعاهد. وقرأ حفص عن عاصم:"عليهُ"مضمومة الهاء ، وروي ذلك عن ابن أبي إسحاق. والأجر العظيم: الجنة ، لا يفنى نعيمها ولا ينقضي أمرها.