ولما كان الإيمان أمراً باطناً ، فلا يقبل عند الله إلا بدليل ، وكان الإيمان بالرسول إيماناً بمن أرسله ، والإيمان بالمرسل إيماناً بالرسول ، وحد الضمير فقال: {ويعزروه} أي يعينوه ويقووه وينصروه على كل من ناواه ويمنعوه عن كل من يكيده ، مبالغين في ذلك باليد واللسان والسيف ، وغير ذلك من الشأن فيؤثروه على أنفسهم وغيرها ، تعظيماً له وتفخيماً - هذا حقيقة المادة ، وما خالفه فهو إما من باب الإزالة كالعزور بمعنى الديوث ، وإما من باب الأول كاللوم والضرب دون الحد ، فإنه يوجب للملوم والمضروب وتجنب ما نقم عليه فيعظم ، فهو من إطلاق الملزوم على اللازم ، وهو من وادي ما قيل:
عداي لهم فضل عليّ ومنة ...
فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ...
وهم نافسوني فاقتنيت المعاليا
ولما كان المعنى يحتمل الإزالة كما ذكر ، خلص المراد بقوله: {ويوقروه} أي يجتهدوا في حسن اتباعه في تبجيله وإجلاله بأن يحملوا عنه جميع الأثقال ، ليلزم السكينة باجتماع همه وكبر عزمه لزوال ما كان يشعب فكره من كل ما يهمه {ويسبحوه} أي ينزهوه عن كل وصمة من إخلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك ، ويعتقدوا فيه الكمال المطلق ، والأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى ، لأن من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر ، فيكون إما عائداً على المذكور وإما أن يكون جعل الاسمين واحداً إشارة إلى اتحاد المسميين ، في الأمر فلما اتحد أمرها وحد الضمير إشارة إلى ذلك.
ولما كانت محبة الله ورسوله ترضى منها بدون النهاية قال كائناً عن ذلك: {بكرة وأصيلاً} أي وعشياً إيصاناً لما بين النهار والليل بذلك.