{تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ..} [التوبة: 100] وهذا ليس تكراراً للمعنى الواحد إنما لكل منهما معنى، فالماء حينما يجري من تحتك تطمئن إلى استمراره، فلن يقدر أحدٌ أنْ يمنعه عنك لأنه ناشئ في ملكك.
إنما
{تَجْرِي تَحْتَهَا ..} [التوبة: 100] ربما كان يجري من مكان بعيد عنك ويمر عليك، فتخشى أنْ يُمنع عنك.
وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا ..} [الفتح: 5] ليُذهب ما في نفسك من الخوف من فوات النعيم، لأن نعيم الدنيا مهما كان يُنغِّصه عليك مخافة أنْ يفوتك أو تفوته أنت، فالله يطمئنك على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع وخالدٌ لا يفنى، فلا يفوتك بأنْ يذهب عنك، ولا تفوته أنت بالموت.
لذلك سمَّاه فوزاً عظيماً {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً ..} [الفتح: 5] ما بالك حين يُوصف الفوز بالعظمة؟ وما بالك إنْ كان هذا كله عند الله؟ فالعطاء يكون على قدر المعطي، إنك تُسر وتسعد حينما يرضى عنك مسئول كبير مثلاً، وتُسر حينما تحسن إلى شخص فيعطيك هدية أو مكافأة، فكيف إذا كافأك الله؟
لذلك دائماً أذكر يوم أنْ ذهبنا مع بعض الوزراء إلى سان فرانسيسكو وذهبنا إلى فندق فخم تعجَّب الجميع من هيئته وجمال تصميمه وما فيه من إمكانيات، فلما رأيت الإعجاب في أعينهم قُلْتُ لهم: خذوها دليلَ إيمان وقولوا: هذا ما أعدَّه البشر للبشر، فكيف بما أعدّه ربُّ البشر للبشر؟
{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّآنِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}
تأمل هنا المقابلة التي تظهر الفرق وتضعك أمام مقارنة بين ما أعدَّه الله للمؤمنين من الجزاء وما أعده للمنافقين والكافرين، والجمع بين المتقابلات أسلوبٌ من أساليب القرآن لكي تبدو المفارقة، لذلك الشاعر العربي قال في وصف محبوبته:
الوَجْه مِثل الصُّبْح مُبْيضّ ... وَالشَّعْر مثْلُ الليْلِ مُسْودّ
ضِدَّانِ لَمََّا اسْتجْمَعَا حَسُنَا ... وَالضِّدّ يُظهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ
ونلاحظ هنا أنه ذكر المنافقين والمنافقات قبل المشركين والمشركات في مقاساة العذاب، نعم لأن المنافق أشد جُرْماً من المشرك، المنافق ستر كفراً وأظهر إيماناً فتسلَّل إلى صفوف المؤمنين وانطوى تحت لوائهم، وهو في حقيقته مشرك معاند يكيد للمؤمنين تحت ستار.