{فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} [العنكبوت: 40] .
هذه كلها من جنود الله: الحاصب والصيحة والخسْف والغرق وغيرها. وهذه الجنود لا يعلمها إلا الله من حيث كيف تعلم وكيف تدبر لتحارب أعداء الله لأنها تعمل في خفاء.
ومع ذلك لما أراد الحق سبحانه نُصْرة رسوله صلى الله عليه وسلم لم ينصره بآية من هذه الآيات الكونية، إنما نصره بقوة إيمان المؤمنين به وثباتهم في مواجهة أعدائهم وإلا لقالوا لولا الظواهر الطبيعية لم يقدروا علينا.
لكن جعل الحق سبحانه النصر منسوباً إلى الجنود الخفية بالفعل، أما الظاهر فمنسوب إلى هؤلاء المؤمنين لكي تظل رهبتهم في قلوب أعدائهم.
لذلك نقرأ في حادثة الهجرة:
{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ..} [التوبة: 40] .
فجند الله كانوا في هذا الموقف، لأن الصَِّديق يقول لرسول الله: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، إذن: هناك جنود منعت رؤيتهم، الحمام الذي عشش والعنكبوت الذي نسج خيوطه لم يكُن إلا جندياً من جنود الله.
سراقة بن مالك لما ساخت قوائم فرسه في الرمال، فكانت الرمال جنداً من جنود الله، والأعجب من ذلك أنْ يُسخِّر الله من الكفرة أنفسهم من يساعد في إتمام الهجرة وهو الدليل عبد الله بن أريقط وكان كافراً لا يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الله غالبٌ على أمره: فجعل هاديَ المادة يهدي هاديَ المعنى!!
وقال:
{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} [الأنفال: 24] قلنا: لأن وارد الرحمن لا ينازعه ولا يعارضه وارد الشيطان، وهذه رأيناها في قصة أم موسى لما أوحى الله إليها أنْ تلقيه في البحر، مع أنها أُمٌّ تخاف على وليدها ومع ذلك ألقتْه، ورأيناها في فرعون الذي يقتل الذكور من بني إسرائيل يأتيه موسى على هذه الصورة، ومع ذلك لم يشكّ في أمره وربَّاه في بيته، فالله تعالى ربُّ القلوب خالقها ومُقلّبها كيف يشاء، يجعلها تقبل حكمه دون مناقشة.