قال صاحب الظلال: (فهذا القرآن «عليّ» .. «حكيم» .. وهما صفتان تخلعان عليه ظل الحياة العاقلة، وإنه لكذلك! وكأنما فيه روح، روح ذات سمات وخصائص، تتجاوب مع الأرواح التي تلامسها. وهو في علوّه وفي حكمته يشرف على البشرية ويهديها ويقودها وفق طبيعته وخصائصه. وينشئ في مداركها وفي حياتها تلك القيم والتصورات والحقائق التي تنطبق عليها هاتان الصفتان: عليّ حكيم) .
كلمة في السياق:
وصفت بداية السورة القرآن بالإبانة والفصاحة والعلو والحكمة، وفي ذلك كله تدليل على أن هذا القرآن من عند الله. فإذا أضيف لذلك أن هذا القرآن هو وحده الذي به يعقل الإنسان وبدونه لا يعقل، فذلك دليل على أن ذاتا عليا فوق الذوات كلها في العلم والإحاطة والحكمة هي التي أنزلته، وكل ذلك مما ينفي الريب عنه، ولذلك
صلاته بمحور السورة، والآية التالية تزيد الأمر وضوحا:
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ هذا يشير إلى سنة الله في الإرسال والتذكير، كما يشير إلى أنه مع كمال هذا القرآن فقد وجد إعراض عنه وريب فيه، ولهذا صلة بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ... فالسورة تبدأ بالحديث مع الذين يرتابون في هذا القرآن، مقيمة الحجة عليهم، مبيّنة أن الريب في القرآن سببه أمراض النفوس والقلوب، فلنر كيف سار السياق.