هذه هي مقدمة السورة وفيها قسم ومقسم عليه. القسم بالكتاب، والجواب في شأن الكتاب. والتناسب واضح بين القسم والمقسم عليه كالتناسب بين البيان والفصاحة والعقل. قال النسفي: (والمبين البيّن للذين أنزل عليهم، لأنه بلغتهم وأساليبهم، أو الواضح للمتدبرين، أو الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان كل ما تحتاج إليه الأمّة في أبواب الديانة) .
قال الألوسي: (واستدل المعتزلة بالآية الأخيرة على أن القرآن مخلوق، وأطالوا الكلام في ذلك، وأجيب بأنه إن دل على المخلوقية فلا يدل على أكثر من مخلوقية الكلام اللفظي ولا نزاع فيها، وأنت تعلم أن الحنابلة ينازعون في ذلك ولهم عن الاستدلال أجوبة مذكورة في كتبهم) .
كلمة في السياق:
أقسم الله عزّ وجل بالقرآن على أنه هو الذي جعله قرآنا عربيا من أجل أن يعقل الناس، وصلة ذلك بمحور السورة وهو وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا واضحة، فالله يقسم بالكتاب على أنه هو جاعل الكتاب على ما هو عليه من أجل أن يعقل الإنسان، فلا محلّ للريب. وبعد أن وصفه بهذه المقدمة بالإبانة والفصاحة والتسديد للعقل، يأتي المقطع الأول مبدوءا بالحديث عن القرآن. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.
[المقطع الأول من السورة وهو الآيات (4 - 43) ]
(فالمقطع إذن استمرار للمقدمة فلنره:
وَإِنَّهُ أي: القرآن فِي أُمِّ الْكِتابِ أي: في اللوح المحفوظ لَدَيْنا أي: عندنا لَعَلِيٌّ أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل. قال النسفي: أي في أعلى طبقات البلاغة، أو رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها حَكِيمٌ أي: ذو حكمة بالغة. قال ابن كثير: أي محكم برئ من اللبس والزيغ، وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله. أقول: وصف القرآن بالحكمة أوسع مدى بكثير من أيّ تعبير، فكما أنّ الحكمة في هذا الكون لا يستطيع البشر الإحاطة بها، فإن هذا القرآن لا يستطيع البشر أن يحيطوا بكنه حكمته المتعددة الجوانب والظواهر والمظاهر، وإنما يدركون بعضها.