وروى ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال: مرَّ بعيسى بن مريم عليهما السلام خنزير، فقال: مُر بسلام.
فقيل له: يا روح الله! لهذا الخنزير تقول؟
قال: أكره أن أعوِّد لساني الشر.
وقيل: من البسيط
عَوِّدْ لِسانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ وَارْضَ بِهِ ... إِنَّ اللِّسانَ لِما عَوَّدْتَ مُعْتادُ
وروى الإمام أحمد في"الزهد"، والبيهقي في"الشعب"عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: رأيت ابن عباس - رضي الله عنه - آخذاً بثمرة لسانه وهو يقول: يا لساناه! قل خيراً تغنم، أو اسكت عن شرٍ تسلم قبل أن تندم.
فقال له رجل: ما لي أراك آخذاً بلسانك تقول كذا وكذا؟
قال: إنه بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيء أحنق منه على لسانه.
وروى ابن أبي الدُّنيا في"الصمت"عن سفيان رحمه الله تعالى قال: قالوا لعيسى بن مريم عليهما السلام: دُلَّنا على عمل ندخل به الجنة.
قال: لا تنطقوا أبداً.
قالوا: لا نستطيع ذلك.
قال: فلا تنطقوا إلا بخير.
وروى أيضاً - بإسناد جيد - عن البراء - رضي الله عنه - قال: جاء أعرابي إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: دُلني على عمل يُدخلني الجنة.
فقال:"أَطْعِمِ الجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالمَعْرُوْفِ، وَانْهَ عَنِ"
المُنْكَرِ، فَإِنْ لمَ تَسْتَطِعْ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ"."
وروى الطَّبراني في"الصغير"عن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اُخْزُنْ لِسَانَكَ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ".
والحديثان يُرشدان إلى حبس اللسان عن المباح فضلاً عن الشر، وذلك أنَّ ما صرفه العبد من أعضائه فيما لا ثواب فيه كأنه مُضاع.
ومما يُحمد الصمت فيه الاستعجال بالدعاء على النفس أو الولد أو المال؛ فإنه ربما يُستجاب للداعي به فيندم.
قال الله تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [سورة الإسراء: 11] ؛ أي: ضجراً لا صبر له على سرَّاء ولا ضرَّاء؛ كما روى ابن جرير عن ابن عبَّاس.