ورواه إسحاق بن راهويه، والحاكم عن أبي أسماء قال: بينما أبو بكر يتغدى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزلت هذه الآية: {فَمَنْ يَعْمَلْ} إلى آخره، فأمسك أبو بكر، وقال: يا رسول الله! كل ما عملنا من سوء رأيناه؟
فقال:"ما تَرَوْنَ مِمَّا تَكْرَهُونَ فَذاكَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ، ويؤَخَّرُ الْخَيْرُ لأَهْلِهِ فِي الآخِرَةِ".
* تَنْبِيهٌ:
ينبغي للعبد أن يعتزل أهل الشر ويعزل شره عن أهل الخير، ولا يشارَّ أهل الشر، بل يدفع بالتي هي أحسن، ويعفو أو ينتقم من غير مجاوزة، وقد سبق الحديث:"وَمَنْ يَتَوَقَّى الشَّرَّ يُوقَهُ".
وروى ابن عساكر عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِيَّاكَ وَقَرِينَ"
السُّوءِ؛ فَإِنَّكً بِهِ تُعْرَفُ"."
وروى ابن أبي الدنيا في"المداراة"عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِيَّاكُمْ وَمُشارَّةَ النَّاسِ؛ فَإِنَّها تَدْفِنُ الغُرَّةَ، وَتُظْهِرُ الْعَوْرَةَ".
وروى الشيخان، وغيرهما عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟
قال:"مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فيْ سَبِيْلِ اللهِ".
قال: ثمَّ من؟
قال:"ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فيْ شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، ويدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ".
وفي رواية:"يَتَّقِي اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ".
وما أحسن قولَ من قال: من مجزوء الخفيف
يا خَلِيلَيَّ عَدِّيا ... عَنْ حَدِيثِ الْمَكارِمِ
مَنْ كَفى النَّاسَ شَرَّهُ ... كانَ فِي جُودِ حاتِمِ
وقلتُ في هذا الباب: من مجزوء الرمل
افْعَلِ الْخَيْرَ يَسُرُّكْ ... وَاكْفِ كُلَّ النَّاسِ شَرَّكْ
إِنَّ ذا يَجْلُو لَكَ الْفِكْـ ... ــــــــــــــــــرَ وَيُخْلِي لَكَ بِرَّكْ
وَاحْتَسِبْ بِاللهِ تُكْفَى الشَّـ ... ـــــــــــــــــرَّ حَتَى لا يَضُرَّكْ
اسْمَعِ النُّصْحَ وَلا تُصْغـ ... ــــــــــــغِ إِلَى مَنْ كان غَرَّكْ
إِنَّ مَنْ حَرَّكَ شَرًّا ... ذُمَّ ما قَدْ كانَ حَرَّكْ
مَنْ يُثِرْ مِنْكَ بِما قا ... لَ لَمَّا غاظَ مقرَّكْ