فقال الرجل: يا رسول الله! أرأيت الرجل الذي أمرتني أن أُعلمه لمَّا بلغ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} قال: حسبي.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"دَعْهُ؛ فَقَدْ فَقُهَ".
وروى الإمام أحمد في"الزهد"، وغيره عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: لولا ثلاث لأحببتُ أن لا أبقى في الدنيا: وضعي وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار تقدمةً لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تُنتقى الفاكهة.
وتمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه في مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حاجزاً بينه وبين الحرام؛ إنَّ الله قد بين للناس الذي هو مصيرهم إليه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [سورة الزلزلة: 7 - 8] ؛ فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه، ولا شيئاً من الشر أن تفعله.
وروى ابن سعد في"طبقاته"عن شدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه: أنه خطب الناس، فحمد الله أثنى عليه، وقال: يا أيُّها الناس! ألا إنَّ الدنيا عَرَضٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة أجلٌ مستأخر، يقضي فيه ملكٌ قادر.
ألا وإنَّ الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار.
ألا واعلموا أنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
وروى المفسرون، والطَّبراني في"الأوسط"، والبيهقي في"الشُّعب"عن أنس - رضي الله عنه - قال: بينما أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يأكل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ نزل عليه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ الآية، فرفع أبو بكر يده، وقال: يا رسول الله! لراءٍ ما عملت من مثقال ذرة من شر.
فقال:"يَا أَبَا بَكْر! أَرَأَيْتَ مَا تَرَىْ فيْ الدُّنْيَا ممَّا تَكْرَهُ فَبِمَثَاقِيْلِ ذَرِّ الشَّرِّ، وَيُدَّخَرُ لَكَ مَثَاقِيْلُ ذَرِّ الخَيْرِ حَتَّى تُوَفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".