وفي رواية تقدمت:"فَمَنْ لمَ يَكُنْ لَهُ ذِئْبٌ أَكَلَتْهُ الذِّئَابُ".
وليس المراد إرشاد الإنسان إلى التذاؤب، بل هو من باب المشاكلة؛ أي: مَنْ لم يُخفْ الناس بجرأته وبتوعِيْدهم بعقوبته، طَمِعُوا في ظلمه واستهانوا به.
ونظيره قول ابن دريد:
مَنْ ظَلَمَ النَّاسَ تَحامَوْا ظُلْمَهُ ... وَعَزَّ عَنْهُمْ جانِباهُ وَاحْتَمَى
وروى الخطابي عن ابن أبي ليلى قال: سيأتي على الناس زمانٌ يقال له: زمان الذئاب، فمَنْ لم يكن في ذلك الزمان كلباً أكلوه.
قال قتيبة بن سعيد: وهو هذا الزمان.
قلت: إذا كان قتيبة - وهو من شيوخ البخاري ومسلم - قد نزَّل الحديث على أهل زمانه، فكيف بأهل زماننا؟ وقد مضى بعد زمان قتيبة نحو ثمان مئة عام.
وفي هذا المعنى يقول القائل:
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَقْرباً يَتَّقِي ... سَعَتْ بَيْنَ أَثْوابِهِ العَقْرَبُ
وليس في ذلك كله رخصة في الظلم والعدوان والأذية، ولكن من باب المشاكلة.
والمراد أن يكون للرجل قوة وشوكة يدفع بها ظلم الجبارين عنه؛ فافهم!
وروى الحاكم في"تاريخ نيسابور"عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يَأتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُرَبِّي الرَّجُلُ فِيْهِ جَرْوًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُرَبِّيَ وَلَدًا".
والجرو - مثلث الجيم: الصغير من أولاد الكلاب وسائر السباع.
وفي المثل: لا تقتني من كلب سوءٍ جَرْواً.
قال الزمخشري: يُضرب في اصطناع من لا عرق له، انتهى.
واقتناء المال وغيره: اتخاذه.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في"طبقاته": أنشدنا قاضي بلدنا أبو علي الداودي قال: أنشدنا أبو الفرج؛ يعني:
المعافى بن زكريا النهرواني: من الوافر
أَأَقْتَبسُ الضِّياءَ مِنَ الضَّبابِ ... وَأَلْتَمِسُ الشَّرابَ مِنَ السَّرابِ
أُرِيدُ مِنَ الزَّمانِ النَّذْلِ بَذْلاً ... وَأَرْياً مِنْ جَنَى سَلْع وَصابِ
أَأَرْضَى أَنْ أُلاقِي لاشْتِياقِي ... خِيارَ النَّاسِ فِي زَمَنِ الْكِلابِ
وللوزير المغربي: من الطويل
أَرى النَّاسَ فِي الدُّنْيا كَراعٍ تَنَكَّرَتْ ... مَرَاعِيهِ حَتَّى لَيْسَ فِيهِنَّ مَرْتَعُ