كَمِ اسْتَزَلَّ الْهَوى أُناساً ... يا سَلِّمْ، يا رَبِّ سَلِّمْ
* تَنْبِيهٌ:
روى ابن جرير عن سعيد بن أبي هلال: أنَّ عبد الله بن علي حدَّثه: أنَّ ناساً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جَلَسُوا يوماً ورجل من اليهود قريبٌ منهم، فجعل بعضهم يقول: إني لآتي اِمرأتي وهي مضجعة، ويقول آخر: إني لآتيها وهي قائمة، ويقول الآخر: إني لآتيها وهي باركة.
فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم، إنا نأتيها على هيئةٍ واحدة.
فأنزل الله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [سورة البقرة: 223] .
وهذا غلطٌ محضٌ من هذا اليهودي في التشبيه، بل كذبٌ بهْتٌ منه، وإنما يُشبه البهائم في لزومهم هيئة واحدة في الجماع؛ فإنَّ البهائم تلزم طريقة واحدة في السفاد، ولا يستطيع التصرف في إتيان الأنثى على هيئات مختلفة إلا ابن آدم، وهو من جملة ما كرَّمه الله تعالى به، وفضله به على سائر البهائم؛ فافهم!
وإياك أن يشتبه عليك التشبه في محمود أو مذموم كما اختلف على هذا اليهودي المذكور.
فَصلٌ
لا يخفى عليك أنَّ الإنسان حيث هو مُبتلى بالصفات الربوبية، والأخلاق الشيطانية، والطبائع البهيمية والسَّبعية، وهي كثيرة الشعب والأنواع، فقد قلَّ أن يكون إنسانٌ سالماً من شيء منها؛ فإنه إنْ سَلِمَ من البخل لم يَسْلم من الطمع مثلاً، وإنْ سَلِمَ من الحسد لم يَسْلم من محبة النفس وتزكيتها، وإنْ سَلِمَ من الصَّولة والجرأة لم يَسْلم من الخديعة والحيلة، وهكذا.
وكل واحدٍ من هذه الأخلاق والطبائع لا يخلو أن يكون الهوى متسبباً عنه، أو داعياً إليه، والشيطان آمراً به.
وقلَّ أن يخلو من خليلٍ أو قريبٍ يسأله فيه، أو يحضه عليه، ويُساعده فيه.
وقلَّ أن يكون له مَنْ يدعوه منه إلى ضده من أخلاق البر والتقوى.
فبقي العقل منفرداً وحده في دعائه إلى البر والتقوى، فإن يسر الله تعالى له مَنْ هو في جانب العقل من أخلاء الصدق ورفقاء الرفق
-وقليلٌ ما هم - وإلا كان العقل وحده.
فإن ساعدته العناية، وأَدْركه التوفيق نَجَا بصاحبه، وإن غلب عليه الهوى وجنوده، وأُغمضَتْ عنه عين العناية والتوفيق هلك مع صاحبه.