إِيَّاكَ نَفْسَكَ احْذَرْ إِن لَدْغَتَها ... فَوقَ السَّعِيرِ وَأَنْواعِ السُّمُوماتِ
رَوَّاغةٌ سِحْرُها أَسْرى وَأَعْظمُ مِنْ ... هاروتَ ماروتَ أَقْوى فِي الرَّزِّياتِ
قال: وهذا الروغان مما أودع فيها - يعني: النفس - من أخلاق الوحوش؛ فإنها مستمدة من أخلاق البهائم، والحيوانات، والوحوش، والحشرات، فبجهلها تشبه الثور، وبالشَّره تشبه الخنزير، وبالحرص النمل، وبالوقوع على النجاسة الذباب، وبالتَّهافُتِ على الشهوات الفراش، وبالضراوة والحسد الكلب، وبالتمزيق للأموال الذئب، وبالرئاسة السَّبع، وبالخبث الذئب، وبالروغان الثعلب، وبالجبن الضبع، وبالسرقة والاختلاس الفأر والجرذان، وبالنميمة القرد، وبالكبر النمر، وبالحقد الجمل، وبكثرة السؤال الهر، وبالبلادة الحمار، وبالجماح الخيل الشموسية، وباللدغ العقرب، وبعظم الأذية مع حسن الصورة الحية، وبالمكر والخديعة الشيطان، انتهى.
قلت: ولما كانت النفس منطوية على هذه الأخلاق الخبيثة، يتعاقب عليها خلق بعد خلق، ويعتورها طبع بعد طبع مع غلبتها، لم يَسَعِ العاقل أن يغفل عن رياضة نفسه وسياستها.
ومن ثمَّ قال علي رضي الله تعالى عنه: ما أنا ونفسي إلا كراعي غنمٍ؛ كما ضممتها من جانبٍ نفشَتْ من جانب.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [سورة النساء: 29: لا تغفلوا عن أنفسكم لأنَّ مَنْ غفل عن نفسه فقد قتلها.
وقال البوصيري: من البسيط
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى ... حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
مَنْ لِي بِرَدٍّ جماحٍ مِنْ غَوايَتِها ... كَما يُرَدُّ جماحُ الْخَيْلِ بِاللُّجُمِ
وروى الخطابي في"غريب الحديث"عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: انتهى عجبي عند ثَلاث: المرء يفرُّ من الموت وهو لاقيه، والمرء يرى في عين أخيه القذى فيُعيْبهُ، ويكون في عينه الجذع فلا يُعيبه، والمرء يكون في دابته الضغن فيقومها جهده، ويكون في نفسه الضغن فلا يقوم نفسه.
قال الخطابي: الضغن في الدابة: أن تكون عسرةَ الانقياد.
قال في"الصحاح": فرسٌ ضاغن: لا يُعطي ما عنده من الجَرِي إلا بالضرب.