قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] أي: ترشد وتدل، والصراط المستقيم هو الطريق السَّوي المستقيم الذي يُوصِّلك إلى غايتك في أسرع وقت وبأقل مجهود ودون عناء، لأن الطريق كلما اعوج ازداد زمنه ومشقته، ثم إن هذا الطريق صراط يعني محدد مثل الشعرة، وهذا يعني أنك لا بدّ أنْ تسير عليه بانضباط، لا تنحرف عنه يميناً ولا شمالاً، لذلك قال في موضع آخر
{سَوَآءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] يعني: وسطه.
والمراد بالصراط المستقيم المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله، هذا المنهج الذي يصحبك في الدنيا لتستقيم به أمور حياتك، ثم يعطيك الجزاء في الآخرة، لذلك الحق سبحانه علّمنا أنْ ندعو ونقول:
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ..} [الفاتحة: 6 - 7] .
ثم يوضح الحق سبحانه طبيعة هذا الصراط:
{صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي ...} .
{صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}
قوله تعالى: {صِرَاطِ اللَّهِ ..} [الشورى: 53] أضاف الصراط إليه سبحانه، فهو صاحبه وواضعه ليس من إنشائكم. يعني: لا دَخْلَ للعبد فيه، وطالما أنه من الله فينبغي عليكم اتباعه والحذر من الانحراف عنه.
ثم يصف الحق سبحانه نفسه بهذه الصفة {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ..} [الشورى: 53] يعني: صاحب هذا الصراط له ملْك ما في السماوات وما في الأرض، يعني في الدنيا، ثم تصير الأمور إليه وحده في الآخرة.
{أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [الشورى: 53] وهذا أسلوب قصر يعني: إلى الله وحده لا إلى أحد غيره.
إذن: هذا الصراط وهذا المنهج وضعه لكم الذي يملك الدنيا ويملك الآخرة، فمَنْ سار على منهجه في الدنيا لم يُحرم الجزاء في الآخرة.
فالدنيا كلها (من) بداية صائرة إلى غاية هي الآخرة، والغاية هذه إلى الله وحده، فما بين (من) و (إلى) أحسنوا أموركم فيها لأنكم صائرون منها إلى الله، وتذكّروا أن دار العمل موقوتة، وأن دار الجزاء خالدة باقية، هذه دار شَقاء وعَنَت، وهذه دار نعيم، فيها ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، ومَنْ يخطب الحسناء يُغلها المهر.