وقوله تعالى: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] الكلام هنا عن القرآن، جعله الله نوراً يهدي الله به مَنْ يشاء من عباده، فأثبت أن الهداية لله بهذا النور المنزَّل في الكتاب المحكم.
ثم أثبت أيضاً الهداية لرسول الله وفوَّضه في أنْ يُشرِّع للناس بدليل قوله تعالى:
{وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ ..} [الحشر: 7] .
فهداية الحق سبحانه في الأصول والثوابت وهي ما ورد في آيات الذكر الحكيم، ثم هداية الرسول في الفروع، وفي بيان هذه الأصول وشرحها، فإنْ جَدَّ في حياتكم جديد، وطرأ عليها من المسائل ما لم يأت بشأنه نَصٌّ، لا من الكتاب ولا من السنة فأجمعوا أمركم وليكون الرأي شورى بينكم، ولا تقضوا في هذه المسائل برأي الفرد، إنما برأي الجماعة.
لذلك ورد في الحديث:"لا تجتمع أمتي على ضلالة".
وما أجمل ما قاله شوقي رحمه الله:
رَأْيُ الجَمَاعَةِ لاَ تَشْقَى البلادُ بِهِ ... رَغْم الخِلاَف ورَأْيُ الفَرْدِ يُشْقِيها
لذلك جعلوا الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي.
فهذه الآية أثبتت الهداية لله تعالى بالقرآن {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ..} [الشورى: 52] وهذه خاصة بالأصول وثوابت الدين التي ورد بها نص في كتاب الله.
ثم أثبتت هداية أيضاً لرسول الله في الفروع، وفي توضيح ما أُجْمِلَ في كتاب الله {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] وأعطتْ سيدنا رسول الله الحق وفوّضته في التشريع للناس، لذلك كانت سنته صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني للتشريع.
وقلنا: إن هداية الحق سبحانه للعبد هدايةُ بيان وإرشاد ودلالة، فإنْ أطاع استحقَّ هداية التوفيق والمعونة
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] وهداية رسول الله هداية إرشاد وبيان فقط، وقد أوضحنا هذه المسألة.