وتقديم {لكم} على غيره من معمولات {جعل} ليُعرف أنه معمول لذلك الفعل فلا يتوهم أنه صفة ل {أزواجاً} ، وليكون التعليل به ملاحظاً في المعطوف بقوله {ومن الأنعام أزواجاً} .
والأزواج: جمع زوج وهو الذي ينضمُّ إلى فرد فيصير كِلاهما زوجاً للآخر والمراد هنا: الذكور والإناث من النّاس ، أي جعَل لمجموعكم أزواجاً ، فللذكور أزواج من الإناث ، وللنساء أزواج من الرّجال ، وذلك لأجْل الجميع لأن بذلك الجعل حصلت لذة التأنس ونعمة النسل.
ومعنى {من أنفسكم} من نوعكم ، ومن بعضكم ، كقوله: {فسلّموا على أنفسكم} [النور: 61] وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] .
وكون الأزواج من أنفسهم كمال في النعمة لأنه لو جعل أحد الزوجين من نوع آخر لفات نعيم الأنس ، وأما زعم العرب في الجاهلية أن الرجل قد يتزوج جنيَّة أو غُولاً فذلك من التكاذيب وتخيلات بعضهم ، وربّما عرض لبعض النّاس خبَال في العقل خاصّ بذلك فتخيل ذلك وتحدث به فراج عن كل أبْلَه.
وقوله: {ومن الأنعام أزواجاً} عطف على {أزواجاً} الأول فهو كمفعول ل {جعل} والتقدير: وجعل من الأنعام أزواجاً ، أي جعل منها أزواجاً بعضها لبعض.
وفائدة ذكر أزواج الأنعام دون أزواج الوحش: أن في أنواع الأنعام فائدة لحياة الإنسان لأنها تعيش معه ولا تنفر منه وينتفع بألبانها وأصوافها ولحومها ونسلها وعملها من حمْل وحرث ، فبِجَعْلها أزواجاً حصل معظم نفعها للإنسان.
والذرءُ: بث الخلق وتكثيره ، ففيه معنى توالي الطبقات على مرّ الزمان إذ لا منفعة للنّاس من أزواج الأنعام باعتبارها أزواجاً سوى ما يحصل من نسلها.
وضمير الخطاب في قوله: {يذرؤكم} للمخاطبين بقوله: {جعل لكم} .